محمد بن جرير الطبري
238
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
قالوا : وإذْ كان ذلك كذلك ، صحَّ ما قلنا من أن تأويل قول الله تعالى : ( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) ، إنما هم الذين يؤمنون بما غاب عنهم من الجنة والنار ، والثَّواب والعقاب والبعث ، والتصديقِ بالله ومَلائكته وكُتُبه ورسله ، وجميع ما كانت العرب لا تدينُ به في جاهليِّتها ، مما أوجب الله جل ثناؤه على عِبَاده الدَّيْنُونة به - دون غيرهم . * ذكر من قال ذلك : 277 - حدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حمّاد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السُّدّيّ في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرة الهمداني ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : أما ( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) ، فهم المؤمنون من العرب ، ( وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ) . أما الغيب فما غاب عن العباد من أمر الجنة والنار ، وما ذكر الله في القرآن . لم يكن تصديقهم بذلك من قبل أصل كتاب أو علم كان عندهم . ( والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ) هؤلاء المؤمنون من أهل الكتاب ( 1 ) . وقال بعضهم : بل نزلت هذه الآيات الأربع في مؤمني أهل الكتاب خاصة ، لإيمانهم بالقرآن عند إخبار الله جل ثناؤه إياهم فيه عن الغيوب التي كانوا يخفونها بينهم ويسرونها ، فعلموا عند إظهار الله جل ثناؤه نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك منهم في تنزيله ، أنه من عند الله جل وعز ، فآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وصدقوا بالقرآن وما فيه من الإخبار عن الغيوب التي لا علم لهم بها ، لما استقر عندهم - بالحجة التي احتج الله تبارك وتعالى بها عليهم في كتابه ، من الإخبار فيه عما كانوا يكتمونه من ضمائرهم - أن جميع ذلك من عند الله .
--> ( 1 ) الخبر 277 - سبق أوله بهذا الإسناد : 273 . ولم يذكره ابن كثير بهذا اللفظ المطول . وقد مضى في شرح 271 أن السيوطي جمع الألفاظ الثلاثة : 271 ، 273 ، 277 في سياقة واحدة !